الشيخ يد الله الدوزدوزاني التبريزي

89

دروس في تفسير القرآن (حول المعاد)

من القائل : فأووا إلى الكهف قوله تعالى : فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ ، أي : اجعلوا الكهف مأوًى وملجأً لأنفسكم ، و يَنْشُرْ لَكُمْ ، أي : يبسط لكم من رحمته ونعمته ، وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً ، أي : يسراً ويكون حاصل المعنى : أنّكم فارقتم الجماعة الوثنيّة التي تعبد الأصنام ، فارجعوا إلى الكهف واتخذوه ملجأً يبسط الله لكم الرحمة ، ويجعل لكم من أمركم يسراً . أقول : هذا ما قيل في تفسير الآية على ما رأيت في كتب القوم ، إلّا أنّه في القلب منه شيء ، وهو : أنّه لو كان القائل بعضهم - وهو تمليخا - لكان من المناسب أن يقال : « إذا اعتزلنا ينشر لنا ربّنا » ، وهكذا إلى آخر الآية بضمير المتكلم مع الغير ، فلا وجه لاخراج نفسه ، هذا أوّلًا . وثانياً : أنّ تلميخا لم يكن نبيّاً ولا وصيّاً ، فإذا فرض أنّه تكلّم فلا بدّ من أن يكون ذلك الكلام من عند نفسه ، فحينئذٍ نقول : كيف أمرهم جزماً بالأُوىّ إلى الكهف واتّخاذه ملجأً لهم ، ووعدهم بنشره تعالى لهم من رحمته وتهيئته لهم من أمرهم رشداً ؟ وثالثاً : أنّ حمل الآية بكونها قولًا لبعضهم من دون أيّة قرينة ولا دليل غير وجيه ، بل لا وجه له . ورابعاً : أنّه قد قرّرنا أنّ الآيات الأربع من قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتَ إلى قوله : بَعَثْناهُمْ إجمالٌ للقصّة ، وهي كبراعة الاستهلال لها ، وقد جاء فيها أنّهم طلبوا منه تعالى ذلك ، حيث قال : إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً ، فلا يناسب ما قالوا في المقام من أنّ تلميخا قبل أُويّهم إلى الكهف أمرهم بالأُويّ ووعدهم بذلك ، أي بنشر الرحمة وتهيئة الرشد لهم من أمرهم .